الفنانة المغربية يسرا طارق: تعرضت للتنمر بسبب حلق شعري في فيلم «دقات القدر» المُتوَّج دوليا

جريدة الطريق المغربية – أكادير

الرباط ـ «القدس العربي» : هي ابنة الريف البارَّة والفخورة بأصولها وذكرياتها ولرائحة أديم الأرض في بلدتها نواحي مدينة الناظور (شرق المغرب) أطلقت اسم «الواهمة» على أولى رواياتها، إلا أن كاتبتها هي في الحقيقة امرأة متمردة على الصور النمطية الرائجة في المجتمع المغربي المحافظ.
«القدس العربي» التقت الممثلة المغربية الشابة يسرا طارق، في محاولة لسبر أغوار شخصيتها المتَّقدة إبداعا ما بين التمثيل والإعلام والكتابة الأدبية التي تنهل من قاموس لغوي راقٍ يعطي للكلمات حقها ويفسح للقارئ المجال لاستخلاص ما بين السطور.
■ تُوِّجتِ بلقب أفضل ممثلة في مهرجان «القدس الدولي السينمائي» عن فيلم «دقات القدر» كيف خط القدر طريق يسرا طارق لتكون ممثلة؟
□ خط القدر طريقي لأكون ممثلة، حينما لم تخمد عزيمتي في النضال من أجل انتزاع حقي في القدرة على الاختيار في أن أصبح ما أريده، وعند أول خطوة في طريقي إلى مجال التمثيل، حاول القدر مقاومة رغبتي في أن أصبح ممثلة، فواجهت عدة صعوبات منها رفض عائلتي ومحيطي ووالدي القاطع بدخولي لهذا المجال، الذي اعتبروه انطلاقا من تصورهم الخاص، أنه حكر على العاهرات، وأن أي امرأة عملت في مجال التمثيل ستشوه وتلطخ شرف وسمعة العائلة.
لكن القدر هاودني وتبعني عندما تحدَّيت كل هذه الحواجز، وأصبح القدر كأرض ثابتة أقف فوقها بكل ثقة، لأغرس فيها اختياراتي، فقد كنت مؤمنة أن لا شيء قادر على أن ينتشل مني أحلامي طالما أنني مصرة على تحقيقها، وكان التحدي بعدها هو توجهي لمدينة فاس لأمثل أول دور بطولة لي في فيلم سينمائي يدعى «مغيس» كان من توقيع المخرج المغربي جمال بلمجدوب.
■ حدثينا عن الدور الذي جسدته في فيلم «دقات القدر»؟
□ أجسد دور امرأة مغربية تدعى تودا من منطقة الريف شمال المغرب، التي تستبيح التقاليد القبلية فيها الزوجة لأخ الزوج، لمجرد أن هذا الأخير على فراش الموت، وهنا تبدأ مقاومة تودا لسلطة العادات والتقاليد وسلطة العقلية الذكورية التي فرضها عليها المجتمع.
وفي الوقت نفسه تتمرد على مرض زوجها المقاوم، واستسلامه لسلطة المجتمع ـ والذي شارك في حرب الريف بين عامي 1920 و1926 ـ وفي هذه المرحلة التاريخية المهمة قصفت إسبانيا منطقة الريف بما يعرف تاريخيا بالغازات السامة.
الفيلم يعكس هذا التاريخ المشترك بين المغرب وإسبانيا عن طريق رؤية المرأة للتاريخ عبر «تودا» هذه المرأة التي عانت الأمرين بانتزاع حريتها وحقوقها واعتراف الآخرين بوجودها الإنساني، لتنطلق من منظور حداثي إيجابي نحو آفاق الحرية والجمال والعدالة. وتعتبر شخصية تودا من الشخصيات ذات الأبعاد النفسية المعقدة والمركبة، تتطلب مجهودا وتركيزا كبيرين، وهي من الأدوار النادرة التي لا تعرض بشكل دائم على الممثل، والتي يلزمها تمكن الممثل من آليات تحليل نفسيات الشخصيات، ومن ثقافة لا بأس بها في مجالي علم النفس وعلم الاجتماع.
■ حلقت شعر رأسك خلال الفيلم، هل كانت تجربة قاسية؟ وما حمولتها النفسية على امرأة شابة جميلة؟
□ كانت تجربة قاسية، فمن خلالها اكتشفت أنه ليس من السهل أن تعيش كفرد ينحاز للحرية والحياة في مجتمع لا يقبل التميز والاختلاف، فحلق شعري كاملا من أجل تأدية دوري في فيلم «دقات القدر» كان اختيارا فكريا وجماليا، لم أهدف من ورائه إلى خلق إثارة مجانية أو ضجة من لا شيء.
لم تراودني أبدا من قبل فكرة حلق شعري من أجل عمل ما، إلا عندما قرأت سيناريو فيلم «دقات القدر» حيث وجدت أن الشخصية التي سأقوم بتشخيصها في هذا الفيلم شخصية فريدة من نوعها، وإذا ما اقترح علي مرة أخرى دور يتطلب الخطوة نفسها، فسأخوضها بدون تردد، طالما أن الشخصية مكتوبة بشكل جيد وتستحق المغامرة.
ولا أنكر أنني وجدت صعوبة كبيرة في العودة إلى حياتي الطبيعية حليقة الرأس، وذلك بعد الانتهاء من التصوير، ليس لأنني امرأة فحسب، بل لأنني امرأة ولدت بروح حرة لا تقبل الإذعان لقيود المجتمع، وبسبب هذا المبدأ عانيت كثيرا من رفض المجتمع لي حليقة الرأس، وقد كنت أتعرض للسخرية والشتم من عامة الناس في الشارع لأنهم لم يتقبلوا مظهري خارج الإطار النمطي لصورة المرأة في أذهانهم.
ما آلمني فعلا هو أنني لم أستطع حتى زيارة أهلي في الريف نزولا عند طلب والدي الذي ترجاني ألا أزورهم حتى يطول شعري، كي لا أسبب له الإحراج مع عائلته ومحيطه، كما وصلت الجرأة ببعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي التعليق على صوري من الفيلم حليقة الرأس بنعوت من قبيل (الشيطانة، الكافرة، المسخ، العاهرة….) وغيرها من الأوصاف القدحية التي تعكس رفضهم التام لصورة المرأة خارج التصورات المألوفة التي اكتسبوها من المجتمعات التي ينتمون إليها.
■ تنحدرين من مجتمع محافظ، كيف استطعت الانعتاق نحو معانقة التمثيل مع كل التمثلات والانطباعات عنه وعن الممثلات عموما؟
أنت صحافية وممثلة وكاتبة… ما الأقرب إلى وجدانك؟
□ للتمثيل سطوة كبيرة على وجداني الإنساني، فإذا كنت سأخيّر بين هذه المجالات الثلاثة، سأختار دائما التمثيل، لأن المتعة التي يحققها لي التمثيل لا يمكن أن أشعر بها في أي مجال آخر، فموقع التصوير بالنسبة لي فضاء فسيح تتفاوض فيه مختلف التعبيرات الفنية.
■ هل أثرت الصحافة في التمثيل أم العكس؟ أم أنها جميعا جزء لا يتجزأ منك؟
□عندما درست وامتهنت الصحافة، بدأت أشعر أن يسرا الصحافية بدأت تؤثر بشكل كبير في يسرا الممثلة، بمعنى أدق أن أي دراسة لأي مجال أو علم سيكون له تأثير على الأسلوب الفني والاختيارات الفنية لأي فنان، فإن درست الطب مثلا سيكون له أثر ما علي كفنانة، لأن كل ما نتعلمه أو نكتسبه يؤثر فينا، وستجدين أثر الصحافة على جميع اختياراتي الفنية، فالصحافة بمثابة الغربال الذي ينقيها من كل الشوائب التي يمكن أن تشوه حضوري السينمائي والفني.
■ «الواهمة» روايتك الأولى، لماذا تيمة المرأة الريفية تحديدا؟
□ تسلط رواية «الواهمة» الصادرة عن دار العين في مصر، الضوء على تاريخ مدينة الناظور وعلى قضايا اجتماعية وسياسية وحقوقية في ظل التحولات التي عاشها المغرب والمغاربة إبان انتفاضة يناير 1984.
وتدور أحداث الرواية حول شخصية «سوار» وهي شابة ريفية حرمها والدها من إتمام دراستها في الجامعة بعد حصولها على شهادة الباكالوريا، ومن تحقيق حلمها في أن تصبح طبيبة، لتبقى حبيسة البيت. وكان ملاذها الوحيد هو النافذة الزرقاء التي كانت تطل منها على العالم الخارجي، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي رأت فيه أحمد وهو أستاذ شقيقها صالح، فتعلق قلبها به كما تتعلق العلقة بالبويضة، وبدأت الرسائل الغرامية بينهما. ثم تتطور الأحداث شيئا فشيئا كي تستنتج أنها فقط استبدلت ظلم والدها بظلم زوجها باسم الحب لكي تتحرر، وأن المرأة لا يمكن أن تحصل على حريتها إلا إذا اعتمدت على نفسها بعيدا عن قيود السلطة الذكورية. وقد اشتغلت على تيمة المرأة الريفية تحديدا، لما اضطلعت به من دور مهم في تكوين الوعي المجتمعي لمنطقة الريف في هذه المرحلة التاريخية المهمة من التاريخ الحديث في بلادنا، حيث انخرطت في الاحتجاجات من أجل التغيير ومن أجل صنع مستقبل أفضل، ورغم ذلك لم تحظ باعتراف مجتمعها وتم تجاهلها في معظم المحطات التاريخية المهمة. ولأن المرأة الريفية كانت المحرك الأساسي لديناميكية تغيير مجتمعها والتحرر من أفكار المجتمع العقيمة التي لا تخدم تطورها الذاتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: